الرحمة في الإسلام
الرحمة كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق لآلام الخلق ويسعى لإزالتها، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى.
هي كمال في الطبيعة لأن تبلد الحس يهوى بالإنسان إلى منزلة الحيوان ويسلبه أفضل ما فيه، وهو العاطفة الحية النابضة بالحب والرأفة ، والرحمة في أفقها الأعلى وامتدادها المطلق صفة المولى تباركت أسماؤه! فإن رحمته شملت الوجود وعمت الملكوت. فحيثما أشرق شعاع من علمه المحيط بكل شيء أشرق معه شعاع للرحمة الغامرة،
ولذلك كان من صلاة الملائكة له: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) . وعن عمر بن الخطاب: قدم على رسول الله بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلب ثديها، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله- وهى تقدر على أن لا تطرحه!- قال: فالله تعالى أرحم بعباده؟ من هذه بولدها . وكثير من أسماء الله الحسنى ينبع من معانى الرحمة والكرم والفضل والعفو.
وقد جاء في الحديث القدسي: " إن رحمتي تغلب غضبى " ، أي أن تجاوزه عن خطايا البشر يسبق اقتصاصه منهم وسخطه عليهم وبذلك كان أفضل الرحماء: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) ما ترى في الأرض من تواد وبشاشة وتعاطف وبر أثر من رحمة الله التي أودع جزءا منها في قلوب الخلائق، فأرق الناس أفئدة أوفرهم نصيبا من هذه الرحمة وأرهفهم إحساسا بحياة الضعفاء .
وقد أمر الإسلام بالتراحم العام. وجعله من دلائل الإيمان الكامل، فالمسلم يلقى الناس قاطبة وفى قلبه لهم عطف مذخور وبر مكنون، فهو يوسع لهم ويخفف عنهم جهد ما يستطيع : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لن تؤمنوا حتى تراحموا ، قالوا : يا رسول الله ، كلنا رحيم . قال : إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ، ولكنها رحمة العامة
أجل، فإن الرجل قد يهش لأصدقائه حين يلقاهم، وقد يرق لأولاده حين يراهم، وذلك أمر يشيع بين الكثير. بيد أن المفروض في المؤمن أن تكون دائرة رحمته أوسع، فهو يبدى بشاشته، ويظهر مودته ورحمته لعامة من يلقى . .
وقد جاءت الأحاديث تترى حاثة على هذه الرحمة الشاملة. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله " زاد في رواية " ومن لا يغفر لا يُغفر له " . وقال: " من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء " . وقال: " طوبى لمن تواضع في غير منقصة ، وذل في نفسه من غير مسألة ، وأنفق مالا جمعه في غير معصية ، ورحم أهل الذلة والمسكنة ، وخالط أهل الفقه والحكمة " قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " جعل الله الرحمة مائة جزء ، وأنزل في الأرض جزءا واحدا ، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه " في رواية أخرى: " إن الله تعالى خلق- يوم خلق السموات والأرض- مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض فجعل منها في الأرض رحمة واحدة، فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضه على بعض "
. وصلى الله على سيدنا محمد.
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق