والهكم اله واحد لااله الا هو الرحمن الرحيم
فان الرحمة التي نراها في الكون ما هي إلا تجسيد لاسم الرحمن ولابد أولاً من بعض التفاصيل وبعض التعريفات المتعلقة بهذين الاسمين ليتضح الفرق بين الاسمين منذ البدء، ولعل أحداً يسأل هذا السؤال: ما الفرق الدقيق بين الرحمن وبين الرحيم ؟ على كُلٍ سيأتي هذا تفصيله في ثنيات عرض الموضوع.
الرحمن الرحيم كما يقول الإمام الغزالي: " اسمان مشتقان من الرحمة ".
معنى الرحمة بالمفهوم
والرحمة تستدعي مرحوماً كما أن العلم يقتضي المعلوم، والرحمة تقتضي المرحوم ولا مرحوم إلا وهو محتاج، الإله لا يكون مرحوماً هو راحم، أما المخلوق فهو مرحوم لأنه ضعيف، ولأنه عاجز، ولأنه فقير لأن قيامه ليس بذاته بل قيامه بغيره، إذاً هو مرحوم، والعبد مرحوم لأنه عبد، والرب راحم لأنه رب، وأيُّ إنسان خرج عن دائرة العبودية ينسىَ أنه في حاجة ماسة إلى رحمة الله عز وجل، وهؤلاء الذين قالوا استغنينا عن رحمة السماء من قبل، جاءتهم سبع سنوات عجاف، مادمت عبداً فأنت مُفتقر إلى الله عز وجل، ما دمت عبداً فلا بد من أنك بحاجة إلى الرحمة، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم، ولا تعذبنا فإنك علينا قدير.
الشخص الذي تنقضي بسببه حاجة المُحتاج، من غير قصد أو إرادة وعناية بالمُحتاج، لا يُسمى رحيماً، قد تنقضي حاجتك عن طريق شخص فهذا الشخص ما أراد أن يرحمك، ولا يريد أن يرحمك ولن يريد أن يرحمك، لكنه بشكل أو بآخر جاءت الرحمة عن طريقه من دون أن يدري، وهذه الجهة، ولو أنَّ الرحمة جاءتك عن طريقها، لا تُسمى رحيماً لأن من لوازم الرحيم أنه يريد أن يرحم، لذلك قالوا: " رب ضارّة نافعة ".
من أبواب الخير
أي أحياناً يوجد شخص يسوق الله لك الخير على يديه وهو لا يريد، بل هو يريد أن يوقع بك الأذى لكن الله سبحانه وتعالى يجعل هذه الإرادة الخبيثة في صالحك، إذاً الشيء الذي تنقضي بسببه حاجة المُحتاج من غير قصد ولا إرادة ولا عناية بالمُحتاج هذا الشيء لا يُسمى رحيماً. من عناصر الرحمة أن فاعلها يُريد الرحمة، هذا ينقلنا إلى موضوع دقيق هو أنك أحياناً لِسبب ما لا تريد أن ترحم، فلست رحيماً، أجل، لست رحيمـاً إلا إذا أردت وفعلت.
إذاً: والذي يدعي أنه يريد قضاء حاجة المُحتاج ولا يقضيها إن كان قادراً على قضائها لا يسمى رحيماً، لأنه لم يقضِها، ولو أراد إذاً وتمّت الإرادة لوفّى بها، وإن كان عاجزاً فقد يُسمى رحيماً باعتبار هذا الشعور الإنساني لكن هذه الرحمة ناقصة لأنها لم تتوج بالعمل.
إذاً من خلال هذا التعريف الدقيق أنت لن تكون رحيماً أي لن يرضى الله عنك ولن تكون عِندَ الله مقبولاً، ولن تكون عند الله محظياً، ولن يرفعك الله في درجات القُرب إلاّ إذا أردت وفعلت، أردت أن ترحم الناس وفعلت ما أردت، لذلك قالوا: "المعروف بالتمام ".
أحياناً تُعَزِّ مصاباً وتتباكى أمامه وتُعبّر عن مشاعرك الإنسانية ولا تُقَدّم شيئاً وهو مصاب، فما قيمة هذه المشاعر ؟ وما قيمة هذه الأحاسيس؟ وما قيمة هذه الدموع ؟ ما قيمة هذه المصافحة الحارة إن لم تقدم له شيئاً ؟ ما الذي يأسر قلبه ؟ إحسانُك.. أعرف أشخاصاً آخرين توفي والدهم وأتي الأقرباء الأغنياء ليعزوهم وليقدموا لهم أحرَّ المشاعر وأشدَّ المشاعر حُزناً وفي النهاية انصرفوا إلى بيوتهم وما قدّموا شيئاً.
فلذلك هذه المشاعر التي يُحِسُ بها الإنسان إن لم يتبَعْهَا عمل طيّب مع القدرة عليه لا قيمة لها، فقيمتها بما يتبَعْهَا من عمل طيب، هذه المشاعر لا قيمة لها ولا يُؤخذ بها يوم القيامة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ))
أي أنَّ هذه العبارات الحارة هذه العبارات الرنانة، العبارات الدافئة إن لم يتبَعْهَا بذل وعطاء وعناية فلا قيمة لها، أحياناً يأتي الابن لزيارة أمه يُقبّل يدها ويُقبّل قدمها وينصرف إلى بيته وإلى أولاده وإلى زوجته ولا يُقدّم لأُمِهِ شيئاً إلا هذه العبارات المعسولة، هذا العمل لا يُعتدُّ به لأنه مبني على موقف ذكي وليس موقفاً فيه تضحية مادية.
قال العلماء: إنما الرحمة التامة أن تُفيض عطاءك على المُحتاج، أن تريد وأن تفعل حتى تُسمى رحيماً، ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( تخلقوا بأخلاق الله ))
الله سبحانه وتعالى رحيم، يعني إذا أمَّنت حاجات الناس، مثلاً لك أقرباء أسبغت عليهم، أعطيتهم مما أعطاك الله عز وجل، قدّمت لهم بعض الحاجات في أوقاتها المناسبة، في أيام الشِدة كنت معهم، فهذا الذي يرقى بك عند الله عز وجل.
فاللهم اجعلنا ممن يستحقون رحمتك واسبغ علينا نعمك وافض علينا بفضل جودك وارفع عنا ربنا الوباء واحفظنا من بين ايدينا ومن خلفنا ومن بين ايدينا وارحمنا يارحمن يارحيم .
في الختام نسأل الله العافية في الدنيا و الاخرة إنه ولي ذلك والقادرعليه
أهم المراجع
القرآن الكريم
صحيح البخاري
صحيح مسلم
الكتب الأربعة
تفسير القرطبي
تفسير الجلالين
تفسير الطبري
تفسير اين كثير
تفسير المنار
تفسير الشعراوي المصري
تفسير الآلوسي
الطبقات الكبرى لاين سعد
الفقه الإسلامي وإدلته
الفقه الوضح
الفقه على المذهب الأربعة
الفقه الميسر
الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع
العدة في شرح العمدة
التاج و الأكليل
البيان
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق