خُلق الرحمة في الإسلام
من الفضائل التي تحلى بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونادى بها الإسلام، فضيلة الرحمة، والرحمة رقة في الطبع تثمر الرفق والرأفة ولين الجانب، وهي خلق رفيع، يحرك عاطفة الإنسان بالخير والبر.
يمدح بها الله رسوله المبعوث بمكارم الأخلاق فيقول: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] كما - وهو المبعوث رحمة للعالمين - يعز عليه أن يحرم إنسان من نور الإسلام، وطمأنينة الإيمان.
يقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] والرحمة الشاملة الكاملة هي رحمة الله العزيز الرحيم فقد عمت الكائنات جميعها فما من موجود إلا وبرحمة الله يحيا، وفي ظلالها يعيش. قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] وقال سبحانه: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7]
من نعم الله علينا
لقد خلقنا الله ولم نك شيئًا، ويسر لنا أسباب الحياة إلى حين - على أرضه وتحت سمائه - وأجرى لنا الأنهار، وأنبت لنا الزرع والثمار، وجعل لنا الليل والنهار، وأفاض علينا من النعم والخير ما لا يحصى يقول عز وجل {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50] {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص: 73] وقال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: 133]
رسول الهدى
ولقد حمل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مشاعل الهدى، وأنوار الإيمان، وأوضح للناس أسلوب العمل الذي يصلحهم في الدنيا، ويحقق فيها آمالهم، ويسعدهم في الآخرة ويؤمن فيها مستقبلهم فكان ذلك فضلًا من الله، ورحمة للناس من الضياع والضلال. قال تعالى لمريم في شأن ابنها عيسى عليه السلام: {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} [مريم: 21]
ولما أراد الله أن يختم رسالاته إلى الناس، ويكمل لهم الدين، ويتم عليهم النعمة بعث خاتم المرسلين، وإمام المهتدين، فكان ذلك رحمة لمن اهتدى بل كان رحمة للعالمين.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]
معجزة الإسلام الخالدة
وكان القرآن العظيم آية الله الكبرى، ومعجزة الإسلام الخالدة، شفاءً لما في الصدور وهدًى ورحمة، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] ومهمة الداعين إلى الله بما لها من خطر تستلزم طاقة فياضة من الرحمة وسعة الصدر ولين الجانب، ومن ثم فقد امتاز سيد الدعاة إلى الله محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه بقلب يفيض بالرحمة، وينبض بالحنان، وحب الخير للعالمين، فقد كان يعامل بالرحمة الصغير والكبير والمؤمن والمشرك، وإن سيرته العطرة لتحمل من حسن خلقه وطيب معاملته ورقة عاطفته الشيء الكثير.
فقد «روي أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد احمل لي على بعيري من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك، ولا من مال أبيك، وجذب الرسول من ثيابه جذبة أثرت في عنقه الشريف، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: " المال مال الله، وأنا عبده، ولكن يقاد منك يا أعرابي "، فقال الرجل: إنك لا تفعل، قال الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لماذا "؟ فقال: لأنك لا تجزي السيئة بالسيئة، ولكنك تجزي السيئة بالحسنة، فعفا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر له بما يحتاج إليه» .
رحمة النبي صلى الله عليه وسلم
ولقد كان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرحم الصغار ويحنو عليهم، ويداعبهم ويقربهم، روى الإمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: «سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوسف، وأقعدني في حِجْره، ومسح على رأسي» . . وكان صلى الله عليه وسلم مع أعدائه ومعانديه جميل الصبر واسع الصدر، يتحمل أذاهم ويرجو صلاحهم ولو دعا عليهم لأفناهم من الوجود ولكن إذا اشتدوا في عداوته والكيد لدعوته، لم يزد على أن يقول: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ". لقد دعا الإسلام إلى التحلي بهذا الخلق الكريم حتى تستقر الحياة بالناس ويجد كل فرد في المجتمع مكانه ومكانته وحقه وكرامته.
***********************
***********************

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق